أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
53
التوحيد
الطينة ، وأصحاب الهيولى والثنوية « 1 » في كون العالم باعتراض العوارض في الأصل ، ولا قوة إلّا باللّه . وهذه المسألة هي مسألة الصفات في التحقيق ، وقد بيّنا ذلك . مسألة [ بيان العرش والقول بالمكان ] قال أبو منصور رضي اللّه عنه : ثم اختلف أهل الإسلام في القول بالمكان . فمنهم من زعم أنه يوصف بأنه على العرش مستو ، والعرش عندهم السرير المحمول بالملائكة المحفوف بهم : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الحاقة : 17 ] وقوله : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [ الزمر : 75 ] وقوله : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ [ غافر : 7 ] . واحتجوا للقول به بقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] وبرفع الناس إلى السماء بالدعوات أيديهم وما يأملون من الخيرات ، ويقولون : هو صار إليه بعد أن لم يكن لقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ] . ومنهم : من يقول هو بكل مكان بقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [ المجادلة : 7 ] وقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] وقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ [ الواقعة : 85 ] وقوله : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ [ الزخرف : 84 ] ، وظنوا أن القول بأنه في مكان دون مكان يوجب الحد ، وكل ذي حد مقصّر عما هو أعظم منه ، وذلك عيب وآفة ، وفي ذلك إيجاب الحاجة إلى المكان ، مع ما فيه إيجاب الحد ؛ إذ لا يحتمل أن يكون أعظم من المكان لما هو سخف في المتعارف أن يختار أحد مكانا لا يسعه ، فيصير حد المكان حده جلّ ربنا عن ذلك وتعالى . ومنهم من قال بنفي الوصف بالمكان ، وكذلك بالأمكنة كلها إلا على مجاز اللغة بمعنى الحافظ لها والقائم بها .
--> - الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : 24 ] قالوا بقدم الدهر واستناد الحوادث إليه ، تركوا العبادات رأسا لأنها لا تفيد وإنما الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو الواقع فيه ومن معتقداتهم مقولتهم المشهورة : ليس هناك إلا أرحاما تدفع وأرضا تبلغ وسماء تقلع وسحبا تقشع . وقالوا إن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان ، وكذلك كان وكذلك يكون ، لذلك فهم ينكرون النبوة والبعث والحساب ، ويردون كل شيء إلى فعل الأفلاك ولا يعرفون الخير ولا الشر ، وإنما المنفعة واللذة . ( 1 ) سبق تعريفهم .